أحمد بن محمود السيواسي

167

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 85 ] وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 85 ) قوله ( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً ) نزل في شأن حارث بن سويد وأصحابه من المرتدين وكانوا عشرة أو اثنى عشر رجلا ، رجعوا عن الإسلام في المدينة ولحقوا بمكة « 1 » ، أي ومن يطلب سوى دين الإسلام دينا ( فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ ) [ 85 ] أي من المغبونين « 2 » ، لأنه اختار منزلة النار بدل منزلة الجنة . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 86 ] كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 86 ) ثم قال ( كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ) أي كيف يلطف « 3 » بهم وليسوا من أهل اللطف لعلمه تصميمهم « 4 » على الكفر لرجوعهم عن الإيمان ، قوله ( وَشَهِدُوا ) نصب على الحال من « كَفَرُوا » باضمار قد ، أي والحال أنهم قد شهدوا ( أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ ) أي صادق فيما يقول ( وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ ) أي الشواهد « 5 » من القرآن على صدقه ( وَاللَّهُ لا يَهْدِي ) أي لا يلطف ( الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) [ 86 ] أي المعاندين الذين علم أن اللطف لا ينفعهم ، وهذا القول فيمن أقام على كفره وداوم على ظلمه مصرا ليس له قصد الرجوع إلى الإسلام في قلبه وسره . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 87 إلى 88 ] أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ( 87 ) خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ( 88 ) ( أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ ) مبتدآن ، والخبر ( أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ ) أي سخطه وطرده من رحمته ( وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [ 87 ] خالِدِينَ فِيها ) أي في اللعنة وهي العقوبة بالنار ( لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ ) أي لا يهون عليهم ساعة ( وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ) [ 88 ] أي يمهلون . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 89 ] إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 89 ) ثم استثنى التائبين من الكفر والمعصية بقوله ( إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ ) أي بعد الكفر والمعصية ( وَأَصْلَحُوا ) أي دخلوا في الصلاح بالتوبة والعمل الصالح ( فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) [ 89 ] بعد التوبة والإصلاح . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 90 ] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ ( 90 ) ونزل في طائفة اليهود الذين آمنوا بمحمد عليه السّلام قبل البعثة لما رأوا صفته في كتابهم ثم ارتدوا « 6 » ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ) بمحمد عليه السّلام ( بَعْدَ إِيمانِهِمْ ) بصفته ( ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً ) باصرارهم على ذلك بعد دعوتهم إلى الإيمان به أو الذين كفروا بعيسى بعد إيمانهم بموسى عليه السّلام ، ثم ازدادوا كفرا بمحمد عليه السّلام « 7 » ( لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ ) عن الكفر في مرض موتهم ( وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ ) [ 90 ] عن طريق الهدى ، فماتوا على كفرهم كأنهم لم يتوبوا عنه . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 91 ] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ ( 91 ) ثم نزل فيمن أقاموا على كفرهم وماتوا عليه « 8 » ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ ) وأدخل الفاء في ( فَلَنْ يُقْبَلَ ) ليدل على معنى الجزاء للشرط الذي تضمنه الموصول ، ويؤذن بأن سبب امتناع التوبة هو الموت على

--> ( 1 ) عن الكلبي ، انظر السمرقندي ، 1 / 282 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 1 / 503 . ( 2 ) أي من المغبونين ، س : أي مغبونين ، ب م . ( 3 ) يلطف ، ب س : تلطف ، م . ( 4 ) تصميمهم ، ب : تصممهم ، س م . ( 5 ) الشواهد ، ب م : شواهد ، س . ( 6 ) عن أبي العالية ، انظر البغوي ، 1 / 504 ؛ والواحدي ، 97 . ( 7 ) عن الحسن وقتادة وعطاء الخراساني ، انظر البغوي ، 1 / 504 ؛ والواحدي ، 97 . ( 8 ) عليه ، ب س : عليهم ، م .